Khamis, 10 Oktober 2013

بين عشر رمضان الأخيرة وعشر ذي الحجة الأولى

  
القرآن الكريم ابتدأ نزوله في عشر رمضان الأخيرة واكتمل في عشر ذي الحجة الأولى
مضى رمضان، وتصرمت لياليه الفاضلة وأيامه المباركة، ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر، وبعده بدأ الفتور يغزو القلوب، كما بدأ منحنى الإيمان في الهبوط مرة أخرى عند الكثيرين إلا مَن رحم الله، ولكنه عز وجل دائم العطاء والمنّ، يلاحق عباده بأسباب المغفرة وموجبات الرحمة وفي الحديث: "افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده(1)".

فهلا تقبلت أخي المسلم وأختي المسلمة هذه المنحة الإلهية؟ والنفحة الربانية الآنية فهلا- بإخلاص- أكثرنا من الأعمال الصالحة من صدقة وصيام وتلاوة للقرآن وصلة الرحم وإطعام المساكين. والدعاء بخيريِ الدنيا والآخرة، لك ولإخوانك المسلمين، الأحياء منهم والأموات، ولأمر ما وسط آيات الحج جاء الدعاء الجامع: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار) (2)، ومن هذه الأعمال الصالحة نشر العلم الشرعي وردُّ المظالم إلى أهلها مع حفظ الجوارح، سيما السمع والبصر واللسان. فمن عجز عن ذلك كله فليكفَّ أذاه وشره عن الآخرين، إلى غير ذلك من أعمال البر وشعب الإيمان فأبواب الخير كثيرة لا تنحصر، ومفهوم العمل الصالح واسع شامل ينتظم كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فينبغي لمن وفقه الله أن يعرف لهذه الأيام فضلها، ويقدر لها قدرها، فيحرص على الاجتهاد فيها، ويحاول أن يتقلل فيها ما أمكن من أشغال الدنيا وصوارفها، فإنما هي ساعات ولحظات ما أسرع انقضاءها وتصرمها، والسعيد من وفق فيها لصالح القول والعمل.

والفرص سوانح قلما ترجع إذا فاتت والعمر قصير والقدر غائب وأمر الله غالب.. فهلا شمرنا عن ساعد الجِد في هذه الأيام، واستعنا بالله على الطاعة فيها، فهو المُوفق والمسهل والمساعد في كل وقت وآن، ولقد اختار الله تعالى من الأيام والليالي أيامًا وليالي جعلها مواسم خير، وأيام عبادة، وأوقات قربات، وهي بين أيام السنة، كأوقات الضحى من النهار، قليلة عزيزة وبين لياليها كالساعات الأولى عند انبلاج الفجر، ما تلبث أن تذهب سريعًا، والرشيد السعيد من تعرض لها، ونهل من خيرها، ومن هذه المواسم النيرات، والنفحات المباركات، أيام العشر الأول من ذي الحجة الحرام، فقد آثرها الله على ما سواها، فرفع من شأنها واجتباها، وجعل ثواب العمل فيها أعلى من ثوابه فيما دونها، علاوة على ما خصها الله تعالى به من أعمال فريضة الحج التي لا تكون في غيرها.

وإن إدراك هذه العشر نعمة عظيمة من نعم الله تعالى على عباده، لأنه يدرك موسماً من مواسم الطاعة التي تكون عونًا للمسلم- بتوفيق الله- على تحصيل الثواب واغتنام الأجر، فعشر ذي الحجة "هذه هي الأيامُ العشر التي أقسم اللّه بلياليها في كتابه بقوله: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ) (3)، بل ورد أنها هي العشر التي أتمها الله- تعالى- لموسى- عليه السلام-، والتي جاء ذكرها في قوله- تعالى-: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) (4)، وقال ابن كثير: (وقد اختلف المفسرون في هذه العشر ما هي؟ فالأكثرون على أن الثلاثين هي ذو القعدة والعشر عشر ذي الحجة... فعلى هذا يكون قد كمل الميقات يوم النحر، وحصل فيه التكليم لموسى- عليه السلام-, وفيه أكمل الله الدين لمحمد- صلى الله عليه وسلم- كما قال- تعالى-: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا). ويوم النحر هو يوم التقرب إلى الله- تعالى- وتوحيده بالنسك العظيم، في أكبر مشهد لتوحيد الله- تعالى- بهذه العبادة، التي ضل فيها كثير من الناس فقدموها لغيره- سبحانه- من الأصنام والأوثان والقبور، ومن ثم جاء التنبيه على توحيد الله- تعالى- فيها في آيات عديدة، كما في قوله- تعالى-: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (5)، أي: وانحر لربك ذبيحتك له وعلى اسمه وحده، وأمر عز وجل بذكر اسم الله- تعالى- وحده لا شريك له على الهدايا والأضاحي، فقال: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) (6)، (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) (7)، (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ...) (8).

فعلى المسلم أن يستشعر هذه النعمة، ويستحضر عظم أجر العمل في هذه العشر، ويغتنم الأوقات، وأن يُظهر لهذه العشر مزية على غيرها، بمزيد الطاعة، وهذا شأن سلف هذه الأمة، كما قال أبو عثمان النهدي- رحمه الله-: (كانوا يعظمون ثلاث عشرات: العشر الأخير من رمضان، والعشر الأَوَّلَ من ذي الحجة، والعشر الأَوَّلَ من المحرم). ولم لا وقد ابتدأ نزول القرآن الكريم في العشر الأخيرة من رمضان في ليلة القدر واكتمل في العشر الأول من ذي الحجة بنزول قوله تعالى يوم عرفة: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا)، (والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا) (9).

وقال تعالى: (وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنةٍ عرضها السماوات والأرض أُعدّت للمتقين) (10) ومن فضل هذه الأيام العشر أن العمل الصالح فيها لا يضاهيه عمل، ولا الجهاد في سبيل الله، إلا خروج الرجل بكل ما يملك، لا يرجع بشيء من هذا كله. ومن الأدلة على فضل هذه الأيام العشر من شقي الوحي الكتاب العظيم والسنة النبوية المطهرة ما يأتي قال تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ) (11)، قال ابن عباس- رَضِيَ الله عنهما-: الأيام المعلومات أيام العشر، وهو مذهب الشافعي والمشهور عن أحمد بن حنبل. وهذه العشر مشتملة على يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر ويوم القر، وقد ورد الحديث بأنها أفضل أيام الدنيا، في الحديث "أفضل أيام الدنيا العشر- يعني عشر ذي الحجة-" (12)، وقد فضّل هذه العشر كثير من العلماء على عشر رمضان الأخير، لأنه يشرع فيه ما يشرع في تلك من صلاة وصيام وصدقة وغيرها، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه.

وقال تعالى: (وَالْفَجْرِ *وَلَيَالٍ عَشْرٍ) (13) المراد بها عشر ذي الحجة (وهو قول ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف- رَضِيَ الله عنهم-). قال ابن كثير في تفسيره: وهو الصحيح وهكذا قد تبين فضل وأهمية هذه الليالي العشر الأول من شهر ذي الحجة بأن الله تعالى قد أقسم بها والإقسام بالشيء دليل على أهميته وعظم نفعه. ومنه تعرف قدر أهميتها وفضلها ومن السنة النبوية المطهرة في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في هذه الأيام العشر. قالوا ولا الجهاد في سبيل الله!! قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء" (14) وفي الحديث أيضًا: "ما من عمل أزكى عند الله عز وجل، ولا أعظم أجرًا من خير يعمله في عشر الأضحى. قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء" (15) وجاء في اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية: (واستيعاب عشر ذي الحجة بالعبادة ليلاً ونهارًا أفضل من جهاد لم يذهب فيه نفسه وماله، والعبادة في غيره تعدل الجهاد؛ للأخبار الصحيحة المشهورة، وقد رواها أحمد وغيره- وكان سعيد بن جبير- رحمه الله- إذا دخلت العشر اجتهد اجتهادًاً حتى ما يكاد يُقدَرُ عليه، وكان يقول: "لا تطفئوا سُرُجكم ليالي العشر"(16). قال ابن حجر(17)- رحمه الله تعالى-- في الفتح: والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة، لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يأتي ذلك في غيره. وقد سبقه إلى ذلك الحافظ ابن كثير- رحمه الله تعالى- (18) وقال المحققون من أهل العلم: أيام عشر ذي الحجة أفضل الأيام، وليالي العشر الأواخر من شهر رمضان أفضل الليالي. فهذه النصوص والآثار وغيرها تدلّ على أنّ هذه العشر أفضل من سائر أيام السنة من غير استثناء شيء منها، حتى من العشر الأواخر من رمضان. ففيها يوم عرفة وهو اليوم المشهود الذي أكمل الله فيه الدّين وصيامه يكفّر آثام سنتين، وقد قال فيه- صلى الله عليه وسلم- كما في حديث عائشة رضي الله عنها: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟" (19) وفيها أيضًا يوم النحر الذي هو أعظم أيام السنّة على الإطلاق بل أعظم الأيام عند الله وهو يوم الحجّ الأكبر الذي يجتمع فيه من الطّاعات والعبادات ما لا يجتمع في غيره وقال فيه رسول الله- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ-: "أعظم الأيام عند الله تعالى، يوم النحر، ثم يوم القرّ" (20).

ولكنّ ليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة، لاشتمالها على ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر (21). فينبغي على المسلم أن يستفتح هذه العشر بتوبة نصوح إلى الله تعالى والإقلاع عن المعاصي وجميع الذنوب، وكف الجوارح عنها، والقلب سلطانها وملكها، وترك ما يكرهه الله تعالى ظاهرًا وباطنًا، ندمًا على ما مضى، وتركًا في الحال، وعزمًا على عدم العود والاستقامة على الحقّ بفعل ما يحبّه الله تعالى ويرضاه (وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) (22)، ولا غناء لمؤمن عنها في جميع الأوقات والأزمان. وذلك حتى يترتب علـى الأعمال الصالحة المغفـرة والرحمة، فالمعاصي سبب البعد والطرد، والطاعات أسباب القرب والود، وفي الصحيح عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ- قال: "إن الله يغار، وغَيْرَةُ الله أن يأتي المرء ما حرم الله عليه" (23)، هذا ومن أحب الأعمال إلى الله تعالى في هذه الأيام فضلاً عن غيرها مما ثبت في الصحاح ما افترضه الله تعالى على عباده للحديث القدسي "ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه"، وفي مقدمة هذه الفروض على كل من الحاج وغيره .

1 - الصلاة على وقتها

يستحب التبكير إلى أدائها في أول وقتها فذلك أحب ما يكون إلى الله تعالى، والإكثار من النوافل فإنها من أفضل القربات من بعد رواتب الصلوات الخمس. "وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره..." روى ثوبان- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "عليك بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك إليه بها درجة، وحط عنك بها خطيئة" (24)- وهذا في كل وقت. وفي الصحيح: عندما سأل ابن مسعود- رَضِيَ الله عنه- رسول الله- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ- أي العمل أحب إلى الله قال- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ- "الصلاة على وقتها" ومن المعلوم أنها لا تسقط في سفر ولا حضر ولا سلم ولا حرب ولا أمن ولا خوف ولا علة ولا عافية. ومن ذلك أيضًا.

2- 3- أداء الحج والعمرة:

فأشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة إلا أن ركن الحج الأعظم الوقوف بعرفة ووقته من فجر يوم التاسع من ذي الحجة إلى فجر يوم العاشر من ذي الحجة فمن فاته فعليه الحج من قابل فمن حمله الله تعالى في بره وبحره وبين سمائه وأرضه إلى بيته الحرام في الأيام الفاضلة فليحرص على إتمام الحج والعمرة لله تعالى لقوله عز من قائل (وأتموا الحج والعمرة ولله) (البقرة)، ومن أدى هذه المناسك مع التحفظ مما ينبغي أن يتحفظ منه كان الرجاء في الله تعالى أن يخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه ففي الصحيح "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه" والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. هذا ويأتي بعد هذه الفروض العامة التي تشكل الحج وغيره كالصلاة والحج والعمرة لمن خرج إلى بيت الله مجموعة من النوافل يتقرب بها العبد إلى الله تعالى فإنْ فاتك الحج والاعتمار فلا يفُتْكَ الصوم والقيام وكثرة الذكر والاستغفار وسائر القربات الآتية.

4- صيام الأيام التسعة ولا سيما اليوم التاسع يوم عرفة:

فيسن للمسلم أن يصوم تسع ذي الحجة. فقد اصطفى الله تعالى الصيام لنفسه كما في الحديث القدسي: "قال الله: كل عمل بني آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به" (25)، لأن النبي- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ- قد حث على العمل الصالح في هذه الأيام العشر ويدخل في عمومها هذه الأعمال الصيام كما أسلفنا وقد كان النبي- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ- يصوم هذه الأيام التسع من ذي الحجة. فعن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر. أول اثنين من الشهر وخميسين" (26). وما كان- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ- يدع صومها فعن حفصة- رضي الله عنها- قالت: (أربع لم يكن يدعهن النبي- صلى الله عليه وسلم-: صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة (27)، قال الإمام النووي عن عشر ذي الحجة "صيامها مستحب استحبابًا شديدًا"، وآكدها صوم يوم عرفة لغير الحاج، فقد ثبت عن أبي قتادة- رضي الله عنه- أن رسول الله- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ- سئل عن صوم يوم عرفة فقال: "يكفّر السنة الماضية والباقية"(28). وكان أكثر السلف يصومون العشر، منهم: عبد الله بن عمر، والحسن البصري، وابن سيرين، وقتادة، ولهذا استحب صومها كثير من العلماء، لكن من كان في عرفة حاجًّا- فإنه لا يستحب له الصوم، لأن النبي- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ- وقف بعرفة مفطرًا." وذلك ليتقوى على الدعاء والذكر.

5 - الإكثار من التحميد والتهليل والتكبير والاستغفار:

فيسن إظهار التكبير المطلق من أول يوم من أيام ذي الحجة في المساجد والمنازل والطرقات والأسواق وغيرها وعند الالتقاء وعند الافتراق فرادى وجماعات، إظهارًا للعبادة ولهذه الشعيرة وإعلانًا بتعظيم الله تعالى يجهر به الرجال، وتُسِر به النساء، ويستمر إلى عصر آخر يوم من أيام التشريق، لقوله تعالى (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) (29)، ولقوله- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ- "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد" (30). وهو من السنن المهجورة في هذه الأيام العشر فلا تكاد تسمعه إلا من القليل، فينبغي إحياؤها والجهر بها إحياء للسنة وتذكيرًا للغافلين وشحذًا لهمم المتكاسلين وعونًا على البر والتقوى، وقد ثبت في صحيح البخاري أن ابن عمر وأبا هريرة- رَضِيَ الله عنهما- كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما وكان عمر يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج مِنى تكبيرًا. وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات وعلى فراشه، وفي فسطاطه، ومجلسه، وممشاه تلك الأيام جميعًا، والمستحب الجهر بالتكبير لفعل عمر وابنه وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين كما ثبت في صحيح البخاري.. وأما التكبير الخاص المقيد بأدبار الصلوات المفروضة، فيبدأ من فجر يوم عرفة ويستمر حتى عصر آخر يوم من أيام التشريق لقوله تعالى: (واذكروا الله في أيام معدودات) (31)، ولقوله عليه الصلاة والسلام: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله" (32). هذا ويبدأ التكبير المقيد بأدبار الصلوات من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، وهو الثالث عشر من ذي الحجة. فعن شقيق بن سلمة رحمه الله قال: "كان علي رضي الله عنه يكبر بعد صلاة الفجر غداة عرفة ثم لا يقطع حتى يصلي الإمام من آخر أيام التشريق ثم يكبر بعد العصر" (33) قال ابن تيمية: "أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة: أن يكبر من فجر عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة.." (34) وقال ابن حجر: "وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود- رضي الله عنهم-: إنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى (35)". إن إحياء ما اندثر من السنن أو كاد فيه ثواب عظيم دل عليه قوله- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ-: "من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا" (36). وحري بنا نحن المسلمين أن نحيي هذه السنة التي قد أضيعت في هذه الأزمان، وتكاد تنسى حتى من أهل الصلاح والخير- وللأسف- بخلاف ما كان عليه السلف الصالح وصفة التكبير: الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد، وهناك صفات أخرى .

6- صلاة العيد:

على المسلم الحرص على أداء صلاة العيد حيث تصلى وحضوره الخطبة والاستفادة وعليه معرفة أن هذا العيد يوم شكر وعمل بر وذكر وعمل فلا يجعله موسم معصية وتوسع في المحرمات: كالأغاني والملاهي والمسكرات ونحوها، مما يكون سببًا لحبوط الأعمال الصالحة التي عملها في أيام العشر وإنما قدمنا الصلاة هنا لقوله تعالى (فصل لربك وانحر) ولقوله- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ- "إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم ننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل الصلاة فهو لحم قدمه لأهله" أو كما قال رسول الله- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ-

7 - الأضحية:

ومن الأعمال الصالحة في هذه العشر التقرب إلى الله تعالى بذبح الأضاحي واستسمانها واستحسانها وبذل المال في سبيل الله تعالى، ولا سيما يوم النحر قال تعالى (فصل لربك وانحر) وفي الصحيح: - كما مر آنفًا- (إن أول ما نبدأ به يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح فإنما هو لحم قدّمه لأهله ليس من النُسُك في شيءٍ) (37)، ولهذا تشرع الأضحية في يوم النحر وأيام التشريق الثلاثة التالية له، وهي سنّة أبينا إبراهيم عليه السلام حين فدى الله ولده إسماعيل عليهما السلام بذِبْحٍ عظيم (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (38)، وقد ثبت أن النبي- صلى الله عليه وسلم- ضحّى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده وسمّى وكبّر ووضع رجله على صفاحهما" (39) وعن أم سلمة رضي الله عنها، أن النبي- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ- قال: "إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكـم أن يضحّي فليمسك عــن شعره وأظفاره" (40)، وفي راوية "فلا يأخذ من شعره ولا من أظفـاره حتى يضحّي". ولعل ذلك تشبهًا بمن يسوق الهدي، فقد قال الله تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) ولا بأس بغسل الرأس ودلكه- ولو سقط شيء من الشعر- هذا والأمر بالإمساك على الندب لا على الوجوب للفرق بين المحرم بالحج وغيره كما أشرنا. ولحديث عائشة- رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قالت: "كُنْتُ أَفْتُلُ قَلاَئِدَ هَدْيِ رَسُوْل اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثمَّ يُقَلِّدُهُ وَيَبْعَثُ بِهِ، وَلاَ يُحَرِّمْ عَلَيْهِ شَيءٌ أَحَلَّهُ اللهُ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ" (41). هذا والله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد وتقبل الله صالح الأعمال وغفر ما دون ذلك وبالله التوفيق.

--------------------------------------------------------------------------------
(1) رواه الطبراني بإسناد حسن. من حديث أبي هريرة- رَضِيَ الله عنه- وقد حسنه الألباني في الصحيحة
(2) البقرة: 201
(3) (الفجر: 1-2)
(4) (الأعراف: 142)
(5) (الكوثر: 2)
(6) (الحج: 28)
(7) (الحج: 34)
(8) (الحج: 36)
(9) (العنكبوت: 69)
(10) (آل عمران: 133).
 (11) (الحج: 27)
(12) رواه ابن حبان وصححه الألباني
(13) (الفجر: 1-2)
(14) أخرجه البخاري
(15) رواه الدارمي 1/357 وإسناده حسن كما في الإرواء 3/398 .
(16) الدارمي
(17) المتوفى سنة 852هـ
(18) المتوفى سنة 774هـ
(19) رواه مسلم
(20) رواه أبو داود
(21) انظر تفسير ابن كثير 5/412
(22) النور (31)
(23) متفق عليه
(24) رواه مسلم
(25) أخرجه البخاري
(26) أخرجه النسائي وأبو داود وصححه الألباني في صحيح أبي داود
(27) رواه أبو داود وغيره
(28) رواه مسلم
(29) الحج/28
(30) أخرجه أحمد. وصحّح إسناده أحمد شاكر
 (31) البقرة 203
(32) رواه مسلم
(33) أخرجه ابن المنذر والبيهقي. وصححه النووي وابن حجر. وثبت مثله عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(34) (مجموع الفتاوى 24/20 .
(35) أخرجه ابن المنذر وغيره والله أعلم " (الفتح 2/536)
(36) أخرجه الترمذي 7/443 وهو حديث حسن لشواهده
(37) متفق عليه
(38) الصافات: 107
(39) متفق عليه
(40) رواه مسلم وغيره
(41) رواه البخاريُّ ومسلم

 http://www.ikhwanonline.com/Article.aspx?ArtID=164100&SecID=363
بقلم: جعفر طلحاوي

Tiada ulasan:

Catat Ulasan